علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

394

شرح جمل الزجاجي

أثر جملة لتدل على الاستثناء ، فيكون ذلك نظير قوله تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ " 1 " ، بعد قوله : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً " 2 " ألا ترى أنّ ذلك يغني عن أن تقول : الأعراب أشدّ كفرا ونفاقا إلّا من يؤمن باللّه واليوم الآخر . فإذا دخلت " ما " المصدرية على " خلا " و " عدا " فإن المصدر المقدر من " ما " مع الفعل في موضع نصب على الحال ، ولا يجوز غير ذلك . وأما " ليس " و " لا يكون " ففعلان ، ويلزم إضمار اسميهما في هذا الباب ، ويكون الضمير مفردا على كل حال ، لأنه يراد به البعض وهو مفرد مذكر ، وينتصب المستثنى على أنه خبر لهما ، وذلك قولك : " قام القوم ليس زيدا " ، و " قام القوم لا يكون زيدا " ، كأنك قلت : قام القوم ليس هو زيدا ، ولا يكون هو زيدا ، أي : ليس بعضهم ولا يكون بعضهم ، ويكون الضمير عائدا على الفاعل الذي ينطوي عليه الكلام المتقدم . ألا ترى أنك إذا قلت أو عنيت بذلك قوما من جملتهم زيد ، حصل في خلد المخاطب أنّ بعض القائمين زيد ، فتقول : " ليس زيدا " ، تريد : ليس بعضهم زيدا أيّها المخاطب كما توهمت من قولي : " قام القوم " ، وتكون الجملة التي هي " ليس زيدا " ، و " لا يكون زيدا " ، في موضع الحال أو لا موضع لها من الإعراب كما تقدم في " خلا " و " عدا " . ولا يجوز استعمال شيء من هذه الأفعال بعد عامل مفرغ ، لأنّ الفعل لا يكون فاعلا ، ولا مفعولا ، ولا مجرورا ، فلا تقول : " ما قام خلا زيدا " ، ولا " ما ضربت ليس زيدا ، ولا يكون عمرا " ، و " ما مررت بعدا زيدا " . فإن جعلتهما صفتين لما تقدم كان الضمير على حسب الأول ، وذلك قولك : " قام القوم لا يكونون زيدا " ، و " قام النساء ليس الهندات " . وأما " لا سيّما " فمن النحويين من أدخلها في هذا الباب كما ذكرنا فيما تقدم . وذلك خطأ ، لأن الاستثناء كما تقدم إخراج بعض من كل ، وأنت إذا قلت : " قام القوم لا سيما زيد " ، ف " زيد " داخل مع القوم في القيام ، بخلاف الاسم الواقع بعد " إلّا " . والعذر لمن أدخلها في هذا الباب أنّ زيدا قد خرج به عن أن يكون على صفة القوم في القيام ألا ترى إنك إذا قلت : " قام القوم لا سيما زيد " ، ف " زيد " مشارك للقوم في القيام إلّا

--> ( 1 ) سورة التوبة : 99 . ( 2 ) سورة التوبة : 97 .